النويري

44

نهاية الأرب في فنون الأدب

عليهم ؛ فلما أرادوا السجود للأصنام نادى : أيها القوم ، إني قد جئتكم بالنصيحة من عند ربّكم أدعوكم إلى عبادته وطاعته ، وأنهاكم عن عبادة هذه الأصنام * ( ( فَاتَّقُوا الله وأَطِيعُونِ ) ) * * . فخرقت دعوته الأسماع ، وهوت الأصنام عن كراسيّها ، وسقط الملك عن سريره مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق قال : يا أولاد قابيل ، ما هذا الصوت الَّذى لم أسمع مثله ؟ قالوا : أيّها الملك ، هذا صوت رجل منّا اسمه نوح بن لمك كان يجانبنا قبل ذلك بجنونه ، والآن قد اشتدّ عليه فقال ما قال . فغضب الملك واستدعاه ، فأتوه به بعد أن ضربوه الضرب الشديد ؛ فقال له : من أنت ، فقد ذكرت آلهتنا بسوء ؟ قال : أنا نوح بن لمك رسول ربّ العالمين ، جئتكم بالنصيحة من عند ربّكم لتؤمنوا به وبرسوله ، وتهجروا هذه الأصنام والقبائح . فقال درمشيل : إنّك قد جئتنا بما لا نعرفه ، ولا نعتقد أنك عاقل ، فإن كان بك جنّة فنداويك أو فقر فنواسيك . قال : يا قوم ، ما بي جنون ولا حاجة إلى ما في أيديكم ، ولكنّى أريد أن تقولوا : لا إله إلا اللَّه وإني نوح رسول اللَّه . فغضب درمشيل وقال : لولا أنه يوم عيد لقتلناك . فأوّل من آمن به امرأة من قومه يقال لها : ( عمرة ) فتزوّجها فأولدها ( ساما ) ( وحاما ) ( ويافث ) وثلاث بنات ؛ ثم آمنت به امرأة أخرى من قومه يقال لها : ( والعة ) فتزوّجها فأولدها كنعان ؛ ثم نافقت وعادت إلى دينها . وكان نوح يخرج في كلّ يوم في أندية لقومه يدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى فيضربونه حتى يغشى عليه ، ويجرّون برجله فيلقونه على المزابل ، فإذا أفاق عاد إليهم بمثل ذلك ، ويعاملونه بمثله ؛ حتى أتى عليه ثلاثمائة سنة وهو على هذه الحال ؛ ثم مات ملكهم درمشيل ، وملك بعده ابنه بولين ، وكان أعتى وأطغى من أبيه - وكان نوح يدعوهم في القرن الرابع على عادته ، فيضربونه ويشتمونه ، وربما سفوا